حينما تصغي الحياة لجوارحنا في مكنونات النفس, تنبثق الأسارير معلنة نبضة جديدة في رحم الحياة , تتسارع النفوس مشرئبّة بأعناقها تتلوى في البعيد , ترنو إلى المستقبل الباسم الذي يمتد بها أويقات عجيبة , تسرقها ساعات الصباح الأولى , ليحرّرها المساء , وهو يسوقها الى الغروب حينما يتعانق آخر النهار مع أول الليل , لتبدأ رحلة الظلام في كنف المجهول , وحينما تتوارى الشمس نازلة في البحر مودعة آخر مناظر النور تتبدّى في البعيد , معلنة موتها , لتبدأ حياتها في بلد آخر ,حيث تأسر الجميع بجمالها الخلاب , وتسرق عواطف الشعراء , قاذفة اياها الى القمر القابع خلفها السارق منها خيوط النهار , حيث يتألق حين غيابها في كبد السماء, ليلهب خيالات العشاق, ويشارك ترانيم السارحين المتأمّلين في الوجود الصغير .
تُرى... أي سرّ يخفيه هذا العالم , هل هو لغز تشاركت البشرية في كشف حجبه وسبر أغواره , أم أنه أحجية عالمية لا حل لها , كم نحن صغار في هذا العالم , وكاننا قطرات تلعب وسط المحيط , تتقاذفنا أمواج الغربة السارحة , وكأننا أحرف رميت في كتاب الحياة لا تجد مستقرا يأويها , ولا يكمل معناها.
كم هو صعب أن نسابق الريح , كم هو عظيم أن نبعث أنظارنا إلى البعيد , لتلتصق بالعالم الكوني السابح , كم هو جميل أن نقذف أفكارنا وهي تتطاير هازئة بالمسافات . الحيرة تنادينا كل حين , ولا نستطيع منها فكاكا ولا هروبا.