هذا هو السند الروائى الثانى فى حجية الموروث الدينى
إن بإمكان يعقوب عليه السلام الآن أن يتحقق من صحة هذا الخبر وذلك بالسفر لسؤال أهل المنطقة التي حدثت فيها هذه الواقعة: " أهل القرية "، أو بسؤال " العير " أي القافلة التي كانوا في صحبتها فالأمر يرجع إليه أو أن يوحي الله تعالى إليه بصحة هذا الخبر فهو عليه السلام " نبي" فالمتحدث (أ) في مثالنا السابق هو يوسف عليه السلام و(ب) هم إخوة يوسف الناقلون لحديثه [ أي الرواة ] و(ج) هو أبوهم المتلقي للخبر. وبالرغم من أن (ب) على يقين بحقيقة ما حدث، وأن موضوع الخبر الذي نقلوه لأبيهم حقيقة واقعة فإن من حق أبيهم أن يشك في صدق هذا الخبر لأسباب عدة، كما ذكرت من قبل.
إنه بدون الأدلة والبراهين القطعية المعاصرة لهذا الخبر، والتي يمكن لـ (ج) الاعتماد عليها للتحقق من صحة الخبر بصورة قطعية، والدالة على صدق (ب) في نقله له، فإنه لا يمكن لـ (ب) إلزام (ج) بتصديقه. أي أن (ج) له أن يتأكد من صحة هذا الخبر بالسفر إلى مسرح الأحداث وسؤال أهل المنطقة (د) أو بسؤال القافلة (هـ) التي صاحبت (ب) عند عودتهم.
وعلى الرغم من أن (ب)، (د)، (هـ) ... كلهم يمثلون الحلقة الأولى المعاصرة للحدث، الناقلين لخبره، فإن احتمال تحريفهم للكلم عن مواضعه قائم لأسباب:
فإذا توفى هؤلاء [أصحاب الحلقة الأولى] ولم تُوثَّق هذه الأحداث بالتدوين الفوري لها وقت حدوثها، ولم يتول الله حفظها، عندئذ يصبح احتمال التحريف في الحلقات التالية لهذا السند الروائي كبيراً جداً.
إن " حديث فلان " هو كلامه الذي تحدث به بحروفه المتعاقبة، والذي نُقل بالصوت أو بالكتابة نصاً. أما إذا نَقل هذا الحديث شخص آخر بلفظه هو، فإن هذا الكلام المنقول شفاهة يصبح في حقيقة الأمر رواية الشخص الثاني (ب) لحديث الأول (أ) وليس بحديث الأول على وجه القطع واليقين لتدخل عوامل كثيرة تؤثر على صحة هذا النقل أهمها: شخصية الراوي وملته وموقفه من الآخر وحالته النفسية ... إلى آخره.
وهذا هو السبب الرئيس وراء نشأة علم الجرح والتعديل، بل وعلوم الحديث كلها. لذلك أقول: إن حلقات السند الروائي وإن بدا أنها متصلة في ظاهرها فإن كل حلقة من حلقاتها كان لها قبل تدوينها طابعها الخاص، وظروفها وسماتها الشخصية التي أثرت عليها وعلى ما يليها من حلقات.
لقد حملت كل حلقة من هذه الحلقات ملة وثقافة وعادات وأساليب ولغة رواتها وما دونه المحدثون في كتبهم من مرويات يمثل التفاعل الفكري الأخير الذي وصلت إليه الرواية عبر رحلتها التاريخية، وسط الصراعات الطائفية المتعددة والمختلفة الرؤى، كالصراع حول الإمامة ومسألة القضاء والقدر، والاستواء، والمحكم والمتشابه ... إلى آخره.
لقد انشغل علماء الفرق والمذاهب المختلفة بتجريح وتعديل بعضهم البعض، وتركوا أمر الله لهم جميعاً كأمة واحدة بالشهادة على الناس، وهي السنة العظمى لرسول الله التي أمر بالتمسك بها وإقامتها في واقع حياة المسلمين فضلا عن إقامتها في حياة الآخرين.
فمع مثال لإشكاليات السند الروائي. فى المقالات القادمه ان شاء الله